مساءٌ للـ(موتِ).. ولا أشهى

نص + ضوء هيلدا إسماعيل



مغرورة بي
توهَّمتُ هدهدة (الدنيا)،
أرجَحَتَها،
وقضْمَ أظافرها القصيرة !!

"دوها... يادوها"
على حجري أهَزْهِزها،
أُدلِّلُها، أكحِّلها
وتعميني

بيني وبينها عقوقٌ،
سوءُ أمومةٍ،
وذروةُ ما أشتهى الموت

مجنونةً قالوا عنِّي
أو هي...
بعض أعراض الأنوثة!!

وفي وجهي...
كم ارتفعتْ أصابعهم الوسطى!!
وكم لعنوني كثيرًا!!

للجنونِ نهاياتٌَ أخرى
جسدي...
إلى المحطة يسبقني
يكنسُ، يمسحُ،
يفترشُ الرصيف الذي أضاء

عامل نظافةٍ...
يرتدي كيسَهُ الأسود
و يُراقص مكنستي

بائعةُ لبانٍ...
تلوكني، تعلكُني
وبين أضراسها أصْطَكُ
وأتشَابك

نزواتُكَ الأخيرة...
لا خطأ فيها، لا صواب
إنَّها هنا، أمامي تتسكَّع

جفنايَ...
أسنَدتهما تحت عجلة القطار
وللأبد، للأبدِ
أغمضتهما

في دمي أتخبَّطُ، أتلوَّى
بيني وبين الموت ردهة
سأعبرها وأستقيم

مساءٌ للموتِ، ولا أشهى
قلبي... يركلُ الحياةَ
فيهتَّز بياضُ الكفن

أُخوتي ،خلخالي،
m&m's
Nero café ،
المصعد المعطَّل،
هكذا، بكلِّ بساطةٍ كانوا يبكون!

أمّا الورديةُ وسادتي
فكنتَ محشوّا في قطنها،
معكوفًا...
في شقٍ صغير

الوسادة التي مجانا باعتها أمّي!!
أيمكن أنها..
على فِراشِ فتاة أخرى الآن ؟!

الأكيد...!
أن على فراشٍ رجلٍ آخر
تتأوَّه قصائدي

"دوها... يادوها"
هذا المساءُ، كان عليَّ أن أموت
ليتذكّروا أنني قيدُ الحياة
كنتُ يوما.

قبل أن يُخاصرني الموت

بلا شك فاتنة كنتُ
وإن على مضضٍ...
حلمتُ بأشياءٍ نيِّئة
كأن أجد رجلا ناصعًا...
أدْلِقُ ظلِّي عليه
أن على الأرصفة أتمطَّى
وبلساني...
أعرقِلُ المارَّة
أن أمتنع عن الـ cookies
الدونت، الكاكاو،
لأراقصكَ بساقين ممشوقتين،
وخصْرِ فستانٍ ضيّق

أو...
أن أعبثَ بالحبِّ،
وبأصابعٍ مبتلَّةٍ باللعاب...
أفقأ قلبي

"دوها... يادوها"
لا أذكر كلَّ أحلامي النيِّئة
غيرَ أنني بلا شك...
فاتنة كنتُ.

بعد موتي بخطوتين

أمّي زارتني
مع الورديةُ وسادتي
وعجائزٍ...
في مناديلهن يُطرِّزن البكاء

بكاؤهن لم يعد يزعجني
أ يمكننا يا أمي...
أن نزعجَ الموتى!!

أيمكنني إخبارك
أن الموتى هؤلاء...
لا يحدِّقون بي حين أستلقي!؟

أن السمراء جارتي...
لم تعد تراقبُ زوجها المعتوه
حين صدفةً نخرجُ معًا،
أو... عمدًا يتسلل إليَّ!!

أن الله
بسبب قصيدة... لم يعذِّبني
.
.
ولا بسبب خصلاتٍ...
أظهرْتُها قليلا !؟؟

فقط.. لأنني ميِّتة

مع جسدي تصالحتُ
بعد أن كثيرًا، كثيرًا
أهنته !!

في الموتِ... لاشيء يخيف
سوى أنني عندما للمرآة نظرتُ
لم أجد وجهي !

سوى أنني عندما سألتُ جاريَ :
(أسناني، جثَّتي،
وبيجامتي البيضاء أين أغسلها!؟ )
لم أجد عينيه !

منذ أن متُّ...
وأنا أجد وقتاً للفوضى،
للقراءة، للتمطِّي،
وللسهر مع الموتى أصدقائي

"دوها... يادوها"
مغرورة بي
توهَّمتُ هدهدة (الموت)،
أرجحته،
وقضم أظافره الطويلة.

* النص والضوء لـ
هيلدا إسماعيل - لندن / يوليو 2006م

المصدر :  كيـكـا