طباعة    ايميل

أتقدم.. أم أنسحب؟!


هيلدا اسماعيل
2014/1/8

يصادُف عندما أكون في مركز تجاري أو أي مكان من الأماكن العامة أن أشاهد طفلا رضيعاً تبدو عليه ملامح واضحة من الاصابة باحدى الاعاقات التي أصبحتُ أعرفها بالشكل من الوهلة الأولى، بحكم مهنتي في هذا المجال مع الأطفال الرضّع بالذات.
وبقدر ما يلفتني العدد المتزايد لهذه الحالات في كل مرة أخرج فيها من منزلي، صرتُ أتساءل ما الذي يتوجّب علي فعله في هذه الحالة؟! هل أقترب من أم الطفل وافاتحها في موضوع ابنها مستفسرة إن كان الابن قد تم تشخيصه أو إن كان يتلقى علاجاً أو تأهيلاً طبياً!! هل تعلم عن حالة ابنها أم تجهل فعلاً؟!.
أتقدّم خطوة للأمام ليقيني بأنني قادرة -بإذن الله- على المساعدة في برامج التدخل المبكر، ثم أتراجع خطوات للوراء لأنني على يقين أكبر بأن الأمهات لا يمكنهن احتمال فكرة أن ابنها قد يكون مصاباً.
ومما يزيد الأمر صعوبة، أنني أشاهد غالباً هؤلاء الأطفال في أماكن عامة ومن غير اللائق الاقتراب من شخص يعتبرني غريبة ومتطفلة، ولا يمكنني في ذات الوقت أن أضمن ردة الفعل التي أعرف أنها لن تخرج عن احدى حالتين وهي: إما أن أواجه بردة فعل عنيفة وطاردة، أو أن أصيب الأم بصدمة قد لا أعرف أن أحتويها في مكان عام.
وحتى لو قمت مثلا بتعريفها بنفسي وموقعي المهني، فهي حتماً ستستغرب لماذا أوقفتها هي بالذات، وإن أعطيتها بطاقتي الشخصية للتواصل معي فيما بعد، فإنها قد لا تتقبل التعارف المفاجئ، وستنتابها ربما الكثير من الشكوك حول مبادرتي.
لا ألوم الأمهات ولا قلوبهن أبدا، لكنني مازلت ألوم نفسي؛ لأنني لم أجد بعد إجابة عن تساؤلي: هل أتقدّم أم أنسحب؟! يوجعني كثيراً أن أرى احدى الأمهات مرتبكة ومتنغّصة، حيث يستمر الطفل في البكاء أو الرفض أو إصدار أصوات غريبة، لأنها لا تعلم ربما ما يمر به طفلها، أو أنها مازالت تعيش حالة إنكار قصوى تجاه التشخيص، أو مازالت تبحث في المستحضرات العشبية والطب الشعبي، ولكني حين أعود للمنزل لا أستطيع أن أنسى ملامح الأم المحتارة والكسيرة، ولا يتبقى بداخلي حينها سوى تلك الأصوات تذكّرني بأنني لم أكن شجاعة بما يكفي لأن أتقدم خطوة باتجاه المساعدة.

المصدر: جريدة اليوم
http://www.alyaum.com/News/art/114330.html