طباعة    ايميل

بارتيشن


هيلدا اسماعيل
2013/12/18

لا يوجد مجتمع يخلو من ثقافة (الأسوار)، تلك المعبَّر عنها باحتجاب الناس عن بعضهم البعض من خلال سواتر مادية وغير مادية. وهذه الجدران المانعة والعازلة للتواصل ما بين أفراد المجتمع.. تكثُر وتقلّ، تكبُر وتصغر من مجتمعٍ لآخر.. ومن فترة لأخرى.
وفي مجتمعنا المحافظ نلاحظ وجود صيغ من السواتر ننفرد بها عن بقية المجتمعات لأسباب بعضها يبدو موضوعياً ومقبولا ومريحاً، وبعضها لا علاقة له بالحماية الأمنية ولا بالقيم الدينية ولا بجمال الصورة التي نريد أن نبدو عليها.
فمثلا، (شباك الحرامي) الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من أسس بناء المنزل بعد أن كان خيارا للبعض، والذي يمثل في حالات كثيرة شكلا من أشكال التشويه، إلا أن لا أحد الآن أصبح قادرا على الاستغناء عنه، الأمر الذي أدّى إلى ظهور تحسينات وزخرفات متعددة على هذا الشباك المبتدع، وذلك في محاولة للتقليل من دفاشته وإرباكه لصورة المبنى الجمالية سواء من حيث الشكل أو الألوان أو الخامة.
كذلك في بعض المطاعم والمقاهي صارت (البارتشينات) عائقاً من عوائق تلك الفضاءات، حيث تحوّلت إلى حجرات صغيرة خانقة تنطلق من ورائها الأصوات والصيحات والضجيج، فيما يرتبك النادل في كيفية التواصل مع المقيمين في تلك العلب من وراء سواتر مبالغ فيها، مما أدى أيضاً إلى اختراع (زر) الاضاءة، والجرس لمناداة النادل.
ولو تأمّلنا المشهد بشكل أوسع، لوجدنا أن هناك مجموعة من المظاهر التي لا يمكن حصرها في هذا الصدد كالأسوار العالية جداً، والتي قد تقلّل من مستوى الجرائم ولكنها قد تجعل المشهد العام في حالة استنفار تام، وكأن الفرد يتربّى على مفاهيم الخوف، عدم الأمان، والشك الدائم في الآخرين.
بالاضافة إلى أنها من وجهة نظر السلامة غير صالحة إطلاقاً، سواء في حالة حدوث حريق أو دخان أو أي خطر يدفع المقيمين للتدافع والخروج، وفوق هذا كله فإنها تجعل مبانينا وفضاءاتنا الاجتماعية خالية من اللمسة الجمالية.
نحتاج ربما إلى تكثيف العقوبات الصارمة والرادعة للتلصُّص واللّقافة والسرقات، وتكثيف الدور الأمني بدلاً من استخدامنا المبالغ فيه لثقافتنا (المسوّرة)، والتي تتنافى مع عاداتنا التراثية القديمة التي تربّى عليها أجدادنا، خاصة فيما يتعلّق بمفاهيم الشهامة، الجِيرة، القرية، الحارّات، والتآخي.
حيث أصبحنا نستخدم أحياناً هذه السواتر بما لا يليق إلا بمجتمعات قامِعة تكثرُ فيها فكرة المحرَّمات، وتعطّل حركة التواصل بين الأفراد بأخويّة ومحبة وأمنٍ وأمان.

المصدر: جريدة اليوم
http://www.alyaum.com/News/art/109871.html